لعقود طويلة سيطرت على الخبراء التربويين والباحثين في علم النفس فكرة محدودية العقل البشري على التعلم وثباتها، وبمرور الوقت استطاع العلماء إثبات العكس حيث تبين أن الدماغ البشري لا يعرف حدودا وباستطاعته تحسين قدرته على التعلم وزيادتها يوماً بعد يوم ما أتاح للإنسان إتقان الكثير من المهارات عن طريق الممارسة والتدريب والمران.
وتعتبر أساليب وطرائق التعلم السريع إحدى أهم الثورات العلمية في هذا المجال، حيث يصفها الخبير الأمريكي ديف ماير أحد أهم مؤسسي التعلم السريع بأنها نوع من أنواع التعلم ا لاجتماعي المبني على الترابط والتعاون والألعاب الجماعية بعيداً عن أنماط التعليم التقليدية كالتلقين والحفظ والثواب والعقاب.
وقال محمد بدرة المدرب المعتمد من مركز التعلم السريع بأمريكا في تصريح لوكالة سانا إن التعلم السريع هو أحدث ثورة في عالم التدريب والتعليم وهو نظام متكامل لجعل التعلم أكثر فعالية بوقت أقصر وتكلفة أقل، مضيفاً أنه يستمد هذه الفعالية من كونه يعتمد على الدراسات النفسية والدماغية والتي تشير إلى أن عملية التعلم أكبر بكثير مما نتبعه الآن في مدارسنا وجامعاتنا.
وأشار إلى أن لكل إنسان نمطه التعليمي المفضل وطريقته الخاصة باستيعاب المعلومات التي تناسبه أكثر من غيرها فإذا عرفت واستخدمت التقنيات التي تتطابق مع نمطه المفضل يصبح التعلم أكثر تلقائية وطبيعية، مبيناً أن عفوية التعلم وتلقائيته تجعله أسهل وأسرع وبالتالي يصبح تجربة ممتعة وناجحة ومرضية ومليئة بالمرح.
وأوضح بدرة أن التعلم السريع يبنى على تفاعل الطالب وانشغاله بالمادة العلمية المطروحة من خلال عملية اجتماعية مليئة بالدعم من كل المصادر المحيطة والمتوفرة، مشيراً إلى أنه يهيئ بيئة تعلم ملهمة ومحاكية للواقع، يرتبط فيها كل متعلم مع المحتوى على المستوى الشخصي والعاطفي، وذلك من خلال ما يعنيه له التعلم.
وأضاف ان معظم طرق التعلم التقليدية تركز على المعلم في حين يركز التعلم السريع على الطالب بحيث يقتصر دور المدرس على التوجيه والتبسيط من خلال الأنشطة العملية والتمارين الجماعية المبنية على الرغبة الذاتية في التعلم موضحاً أن التعلم السريع يبنى على نشاطات تسمح بالحركة الجسدية أثناء التعلم واستخدام أكبر قدر ممكن من الحواس وإعطاء الفرصة لكامل الجسد والعقل للانخراط في العملية التعليمية.
وقال بدرة إنه في حين يميل التعلم الكلاسيكي لإبقاء المتدربين ساكنين في مقاعدهم لفترة طويلة من الزمن وهي الحالة التي تؤدي نظرياً إلى شلل الدماغ وإبطاء التعلم أو حتى إيقافه كلياً يميل التعلم السريع إلى الحركة لإيقاظ المتدربين وتنشيط الدورة الدموية في الدماغ وهو ما يمكن أن يحمل نتائج إيجابية لعملية التعلم، حيث أثبتت التجارب مرة بعد أخرى أن المتدربين يحصلون نتائج أفضل إذا ساهموا في نشاطات منتقاة بعناية من تلك التي يحصلونها إذا جلسوا يستمعون إلى المدرب أو أمام شاشة التلفاز أو الكمبيوتر أو أمام الكتب المدرسية.
ويعتمد التعلم السريع على عدد من المبادئ الرئيسية التي طورها باحثون وخبراء في مجالات التعليم وتنمية الموارد البشرية بهدف تقليص المدة الزمنية التي تستغرقها كل مرحلة دراسية دو ن أن يؤثر ذلك على النتائج، إضافة إلى زيادة مدة احتفاظ العقل البشري بالمادة العلمية لأطول فترة ممكنة.
ومن أهم هذه المبادئ انسجام التعلم مع طريقة عمل الدماغ، حيث يختص النصف الأيسر في التفكير المنطقي ويتعامل مع التحليل المتأني خطوة خطوة في حين يهتم القسم الأيمن بالتفكير الإبداعي كالموسيقا والرسم والصور المرئية والنقطة المهمة في التعلم السريع هي استخدام المخ بنصفيه الأيمن والأيسر أثناء التعلم.
والجدير بالذكر أن التعلم السريع ليس مجرد مجموعة من الحيل والتقنيات الذكية بل هو فلسفة متكاملة وطرائق جديدة تتصدى لمعظم المعتقدات والممارسات التربوية المستخدمة حالياً والقائمة على التلقين والاتصال أحادي الاتجاه، فإذا كان لابد من أن يكتب له النجاح ويتخطى مراحل التعلم الكلاسيكي فإنه وبالتأكيد سيشكل ثورة في إحداث التغيير المنشود في مؤسساتنا التعليمية والتربوية .